لن تجد قصةً تُشبه حكاية عائلة الحاج ديب. عائلةٌ فقيرة أنجبت عشرة شبان، ذاع صيتهم في عالم الإرهاب، أبرزهم أشعل مقتله شرارة المعارك في مخيم نهر البارد. أما جديد العائلة، فأحفاد «استشهاديين»، قُتل اثنان منهم خلال استهداف إحدى نقاط تمركز الجيش السوري في منطقة أبو زيد القريبة من قلعة الحصن بريف حمص
أن يكون اللبنانيان معتصم وحسن الحسن اللذان نفذا عملية انتحارية ضد الجيش السوري، عنصرين في تنظيم «جند الشام» المرتبط بتنظيم «القاعدة»، فذلك صار أمراً اعتيادياً. أما أن يكون هذان الشابان، المعروفان بـ«أبو عثمان» و«أبو معاذ»، حفيدَي محمد الحاج ديب، فهنا القصة.
لا تفي كلمة مأساة عائلة محمد الحاج ديب المعروف بـ«محمد إبراهيم» حقّها. عشرة إخوة تفرّقت بهم السُّبل، بين انتحاري وشهيد وإرهابي ومعتقل. أحد الأخوة كان عسكرياً في الجيش اللبناني استشهد في قصف إسرائيلي لمركزه العسكري إبان عدوان تموز 2006. الثاني قتل في صفوف تنظيم «فتح الإسلام»، وتردّد أنه فجّر نفسه بالقوى الأمنية في اشتباكات شارع المئتين التي مهّدت لحرب نهر البارد في أيار 2007. الثالث «إرهابيٌّ» أُدين بمحاولة تفجير محطة للقطارات في ألمانيا، وحكم بالسجن مدى الحياة عام 2008. أخ رابع يقبع منذ ست سنوات في سجن رومية المركزي بجرم الانتماء إلى تنظيم تكفيري والمشاركة في محاولة تفجير. الخامس أوقف في مطار بيروت أخيراً إثر محاولته تهريب مناظير ليلية حربية إلى لبنان. اللعنة تنسحب أيضاً على الفروع؛ فقد خسر محمد الحاج ديب، أيضاً، حفيده وابن شقيقه اللذين قُتلا ضمن مجموعة شبان قضوا في كمين للجيش السوري في منطقة تلكلخ في تشرين الثاني الماضي، أثناء محاولتهم التسلل للقتال في صفوف المعارضة السورية. قبلها، أوقف ابن شقيقه أيضاً، وهو تلميذ ضابط في الكلية الحربية، بجرم التواصل مع شبكة جهادية اتهمت بالتخطيط لتنفيذ تفجيرات داخل ثُكَن عسكرية. وأخيراً، وربما ليس آخراً، نفّذ حفيدا الرجل، معتصم وحسن الحسن، عملية انتحارية ضد الجيش السوري في منطقة أبو زيد القريبة من قلعة الحصن بريف حمص.
الجميع في طرابلس يعرف «أبو عبد الناصر»، الأب المنكوب الذي يقيم مع من بقي من عائلته المنكوبة في منطقة اسمها «المنكوبين» في عاصمة الشمال. منزل متواضع يعجّ بشعارات الخلافة الإسلامية والرايات السود. يحار الرجل في أيٍّ من أبنائه يبكي. يقول: «لم نكن يوماً ضد الدولة، لكنها بأجهزتها كانت دوماً ضدنا». عبارة يُكرّرها أكثر من مرّة في حديثه إلى «الأخبار». ولا يعفي الإعلام من ظلمه أيضاً لوصم عائلته بالإرهابية، غافلين عن «أن ما يرونه إرهاباً قد يكون جهاداً».
يسحب صورة من بين عدّة صور تجمعه بأبنائه العشرة. يبدأ بالدلالة عليهم واحداً واحداً. «هذا حبيب قلبي صدّام»، يقول بأسى. «إنه أكثرهم شبهاً بي». ويُكمل: «وذاك عبد الناصر وأحمد وعمر وعثمان وعلي وخالد. هذا حمزة. أنظر إلى هذا الوجه. بربّك كيف يُعقل أن يتّهموه بأنه إرهابي؟». نقمته لا توصف بسبب «ظلمٍ» تعرّضت لها عائلته. ينفي تُهم الإرهاب عنهم، أما ما كشفته التحقيقات فـ«يقف وراءها إمّا ابن حرام أو حظٌّ عاثر». وإذ لاحظ استغراباً، انتفض الرجل الستيني ووضع يده على نسخة من القرآن بجانبه: «أُقسم إنّي أقول الحق ولا شيء غير الحقّ».
يعدّل الرجل جلسته على كنبته. يطلب «كوب شاي إكسترا بالركوة الكبيرة». يُعدد أبناءَه تسلسلياً، يبدأ بعبد الناصر وأحمد. كلاهما برتبة معاون في الجيش. لكن أحمد استُشهد خلال قصف إسرائيلي لمركز عسكري في العبدة في حرب تمّوز. ثالث الأبناء علي الذي تقدّم للتطوّع في الكلية الحربية، لكن طلبه رُفض «فقط لأنه من بلدة فنيدق». لماذا؟ يرد بأنها «بلدة متعصّبة لإسلامها ودينها». يصل إلى الرابع، خالد، الذي أوقف في مطار بيروت قادماً من السويد بعدما ضُبطت في حوزته مناظير ليلية. يقول أبو عبد الناصر، «المتقاعد» من عمله في البناء، إنّ خالد «مقعدٌ منذ عام 1986 نتيجة ضغط على دودة الظهر سببته ممارسته لرياضة رفع الأثقال. وهو مهاجرٌ في السويد منذ أُعجبت به امرأة سويدية وتكفّلت بتسفيره إلى بلادها». ولكن ماذا عن المناظير التي ضُبطت معه؟ يردّ الوالد بأنّها «مناظير لبنادق خردق يبيعها في لبنان فيكسب من بيع كل منها بين و دولار».
عمر هو الابن الخامس. أنهى دراسته في الحقوق، لكنّه رفض أن يمارس مهنة المحاماة لأنها «قائمة على الكذب والظلم، والمال الذي سيُحصّله منها حرامٌ بحرام». تقدّم للتطوّع في كل من أجهزة الأمن العام وأمن الدولة وقوى الأمن، لكنه لم يُقبل في أي منها، فهاجر إلى السويد. حاله كحال شقيقه السابع إبراهيم الذي درس الحقوق وهاجر إلى السويد أيضاً. يليهما (السادس في التسلسل) عثمان القابع في سجن رومية منذ ست سنوات. يقول الوالد إن عثمان تقدم بطلبات للتطوّع في قوى الأمن ثلاث مرات، لكنّه رُفض، كاشفاً أن اللواء أشرف ريفي كان واسطته في إحدى المرّات. وعن سبب توقيفه، يقول والده إنه «أوقف في شارع المئتين بعدما أصابوه بثلاثين رصاصة. وتهمته العظيمة أنه شقيق صدّام»، علماً بأنّ معلومات الأجهزة الأمنية تُشير إلى أنه كان من المقاتلين في صفوف تنظيم «فتح الإسلام».
صدّام الحاج ديب، الرقم ثمانية في العائلة. سمّاه والده صدّام تيمّناً بالرئيس العراقي الراحل صدّام حسين الذي كان يعتقد أنه سيُقاتل إسرائيل. أنهى دراسة الماجستير في الأدب العربي والشريعة الإسلامية، قبل أن ينتهي به الأمر صريعاً في شقّة المئتين في طرابلس. يقوال والده إنه «تقدّم للتطوّع في الكلية الحربية، لكنه رُفض رغم نجاحه لأسباب لا نعلمها». يُسهب الوالد في حديثه عن ابنه الأحبّ إلى قلبه. يذكر كيف أوقف شهوراً في السجون السورية. وكيف اقتيد إلى التحقيق من مركز أمني إلى آخر. تتدخّل والدة صدّام باكية هنا: «دفعناهم للتقدّم إلى كل وظيفة ممكنة، لكنهم رُفضوا... ما ذنبهم إذاً؟».
بالنسبة إلى «أبو عبد الناصر»، كان «شباب فتح الإسلام» الذين انتمى صدام إليهم «من أطهر الشباب تحت سماء لبنان، لكنهم ذُبحوا كما تُذبح الشاة ظلماً. لم يؤذوا أحداً يوماً، والأجهزة الأمنية أوقعت بهم في لعبة سفيهة». ويضيف: «تيار المستقبل أحضر فتح الإسلام لقتال الشيعة، لكنهم رفضوا أن تكون بندقيتهم موجّهة إلى غير الأميركيين والإسرائيليين فجرت تصفيتهم». وكيف يفسر أن يقتل ابنه في حرب ضد الجيش الذي يخدم فيه ابنه البكر، فيرد بالتأكيد أن «ابني لم يُقتل في حرب ضد الجيش، بل ضد أميركا التي كانت تُحرّك الأحجار هنا». ويكشف أنه دفن ولده صدّام بيديه، لافتاً إلى أن جثته كانت «متفحمة بعدما أُحرق مع ثمانية عشر آخرين في شقة المئتين، وبعضهم لا علاقة له بكل هذه الأمور».
في المرتبتين التاسعة والعاشرة، يحلّ كل من حمزة ويوسف. أنهى الأول دراسته في التاريخ والجغرافيا، لكنه عاطلٌ من العمل. أما يوسف، صغير العائلة، فيقضي حكماً مؤبداً بالسجن في ألمانيا. يوضح الوالد أنه استدان كلفة سفر ابنه إلى ألمانيا للتخصص في الهندسة، لكن أحد أقربائه المدعو خير الدين الحاج ديب وجهاد حمد كانا سبب بلواه. يذكر أن حمد سافر إلى ألمانيا باحثاً عن يوسف. وهناك حاول إقناعه بتنفيذ عمل ما لإخافة ألمانيا لأنها تدعم إسرائيل. يؤكد الوالد أن يوسف رفض، لكن حمد أصرّ على فكرته ففخّخ جرّة غاز ووضعها في القطار. «هكذا حُكم حمد بالسجن 12 عاماً في لبنان، فيما حُكم ولدي بالسجن المؤبد في ألمانيا بعدما ظهرا معاً على الكاميرا»، يختم الوالد.
لا تنتهي حكاية «أبو عبد الناصر» مع الإرهاب هنا. منذ مدة قصيرة قتل ابن شقيقه مالك الحاج ديب، وحفيده عبد الحكيم إبراهيم، ابن المعاون عبد الناصر، في كمين تلكلخ. يؤكد أنهما «ممرضان استفزّهما ما يجري في سوريا فقررا الذهاب للجهاد هناك، لكن أحد عملاء النظام السوري أبلغ عن مجموعتهما». أما التلميذ الضابط الذي أوقف في الكلية الحربية للتواصل مع مجموعة جهادية، فيكون أحد أقربائه، مؤكداً أنه كان حافظاً للقرآن ولم يؤذ أحداً يوماً.
وأخيراً، قضى حفيدا الحاج ديب، حسن ومعتصم الحسن، اللذان قتلا خلال عملية انتحارية، نفذها الأول استهدفت أحد نقاط تمركز الجيش السوري، فيما قتل شقيقه في عملية اقتحام الحاجز بعد ساعات على تنفيذ العملية الأولى في منطقة أبو زيد القريبة من قلعة الحصن بريف حمص.










































